كتب / محمد صديق
في عالم يتسم بالسيولة السياسية والمواجهات العسكرية المفتوحة، تشكل إدارة القوة وتجنب الصراعات المباشرة دون التفريط في السيادة الوطنية معضلة إستراتيجية لأي دولة. وعلى مدار سنوات حافلة بالتحولات الجيوسياسية الحادة في منطقة الشرق الأوسط، برزت الدبلوماسية المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي كنموذج لافت في إتقان “اللعب مع الكبار”؛ حيث اعتمدت الدولة على مبدأ تحييد الصراعات المباشرة، وقراءة خريطة المخاطر المستقبلية بمسافات تفوق التحركات اللحظية للقوى الدولية والإقليمية.
تنويع حلفاء القوة: كسر احتكار الإرادة
لم تكن السياسة الخارجية المصرية مجرد ردود أفعال تجاه متغيرات القوى العظمى، بل قامت على فلسفة التوازنات الدقيقة. فبينما حافظت القاهرة على علاقات إستراتيجية وممتدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، اتجهت بذكاء نحو تعزيز الشراكات الشاملة مع روسيا والصين، إلى جانب بناء جسور متينة مع القوى الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا.
هذا التنويع الذكي لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل كان أداة لضمان استقلالية القرار الوطني، وتجنب الارتهان لإرادة طرف دولي واحد، مما مكن مصر من الوقوف على أرض صلبة وممارسة “دبلوماسية القوة الهادئة” التي تحمي المصالح دون الحاجة للانخراط في حروب استنزافية.
إستراتيجية الخُطوات المسبقة: إدارة الأزمات قبل حدوثها
تميزت إدارة الرئيس السيسي للملفات الإقليمية بما يمكن تسميته “السبق الإستراتيجي”، أو تفكيك الخطر قبل أن يتحول إلى مواجهة محتومة:
خط سيرت – الجفرة في ليبيا: شكل إعلان “الخط الأحمر” في ليبيا عام 2020 نموذجاً حياً للإدراك المسبق لحدود الأمن القومي. لم تدخل مصر حرباً، بل فرضت معادلة ردع صارمة منعت تمدد الفوضى والصراع المباشر إلى حدودها الغربية، وأجبرت جميع الأطراف على التوجه نحو مسارات التهدئة والحلول السياسية.
تأمين حدود الطاقة (منتدى غاز شرق المتوسط): من خلال الرؤية المسبقة لأهمية أمن الطاقة، بادرت مصر بتأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط”، وهو ما تحول إلى درع إستراتيجي واقتصادي حَمَى الحقوق المصرية في البحر المتوسط وأعاد رسم خريطة النفوذ في المنطقة عبر التحالفات الاقتصاديّة بدلاً من الصدامات العسكرية.
إدارة ملف غزة والقضية الفلسطينية: تجلت القدرة على قراءة الخطر بالف خطوة في التعامل مع أزمات قطاع غزة المتكررة، حيث نجحت الوساطة المصرية حثيثاً في احتواء الصراعات وإبراز مكانة مصر كركيزة لا غنى عنها للاستقرار الإقليمي والدولي، مع الحفاظ على الأمن القومي المصري ورفض المخططات التي تمس السيادة.
الردع بالتحديث وليس بالتورط
إن استراتيجية تجنب الحروب لم تكن قائمة على التراجع، بل على الردع الوقائي. شهدت القوات المسلحة المصرية عملية تطوير شاملة وإعادة تنويع لمصادر التسليح، مما جعل القوة المصرية أداة حماية وسلام، ووسيلة لتفادي الصراعات؛ فالقوة القادرة والمستعدة غالباً ما تثني الخصوم عن أوهام المواجهة.
القوة الناعمة والسيادة المرنة
أثبتت التجربة المصرية أن إتقان التعامل مع القوى الكبرى يتطلب مزيجاً من الرؤية الإستراتيجية الثاقبة، والقدرة على حساب المخاطر بدقة متناهية. لقد استطاعت الإدارة المصرية قراءة التحولات القادمة قبل وقوعها بخطوات عديدة، معتمدة على مبدأ إدارة الأزمات بالعقل والردع، لتظل مصر رقماً صعباً في المعادلة الدولية، وساحة آمنة تُدار فيها التوازنات الكبرى دون الانزلاق إلى فخ الحروب.